ابن الأثير

100

الكامل في التاريخ

بقتله ، وكان سبب آمرها بذلك أنّه لما ولي الخلافة كانت تستبدّ بالأمور دونه ، وتسلك به مسلك المهديّ ، حتى مضى أربعة أشهر ، فانثال النّاس إلى بابها ، وكانت المواكب تغدو وتروح إلى بابها ، فكلّمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا ، فقالت : لا بدّ من إجابتي إليه ، فإنّني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد اللَّه بن مالك . فغضب الهادي ، وقال : ويلي على ابن الفاعلة ! قد علمت أنّه صاحبها ، واللَّه لا قضيتها لك . قالت : إذا واللَّه لا أسألك حاجة أبدا ، قال : لا أبالي واللَّه ، وغضبت فقامت مغضبة ، فقال : مكانك واللَّه ، وإلّا أنا نفيّ من قرابتي من رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، لئن بلغني أنّه وقف ببابك أحد من قوّادي وخاصّتي لأضربن عنقه ، ولأقبضنّ ماله . ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك ؟ أما لك مغزل يشغلك ، أو مصحف يذكرك ، أو بيت يصونك ؟ إيّاك ! وإيّاك ! لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمّيّ . فانصرفت وهي لا تعقل ، فلم تنطق عنده بعدها . ثمّ إنّه قال لأصحابه : أيّما خير أنا أم أنتم ، وأمّي أم أمّهاتكم ؟ قالوا : بل أنت وأمّك خير . قال : فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمّه ، فيقال : فعلت أمّ فلان ، وصنعت ؟ قالوا : لا نحبّ ذلك . قال : فما بالكم تأتون أمّي ، فتتحدّثون بحديثها ؟ فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها . ثمّ بعث بأرزّ ، وقال : قد استطبتها ، فكلي منها . فقيل لها : أمسكي حتى تنظري ! فجاءوا بكلب ، فأطعموه ، فسقط لحمه لوقته ، فأرسل إليها : كيف رأيت الأرز ؟ قالت : طيّبا . قال : ما أكلت منها ، ولو أكلت منها لاسترحت منك ، متى أفلح خليفة له أمّ ! وقيل : كان سبب أمرها بذلك أنّ الهادي لما جدّ في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر خافت الخيزران على الرشيد ، فوضعت جواريها عليه لما مرض ، فقتلنه بالغمّ والجلوس على وجهه ، فمات ، فأرسلت إلى يحيى بن خالد تعلمه بموته .